الجمعة، 4 ديسمبر، 2009

1


اليوم ليس جديدا عليّ, رغم أنه يحمل تاريخًا مختلفًا .. ويوم جمعة مختلف بأحداثه مهما بلغ تشابهها عن كل الجمعات التي عاشتها الأرض سابقًا .. وميلاد مهد و مواراة قبور أناس لم يسبق لهم أن وُلدوا أو كُفّنوا قبل يوم الجمعة هذه ..
ضممتُ حاجياتي لسفر طويل النفس مقيّد الحركة, وليس كليًا عمّن أحب, رغم الميزة الأخيرة التي أحظى بها إلا أنها لم تمنحني الاكتفاء الكامل ولا الاتزان الذي يجب أن أشعر به, ولا كيف تحليل علاقتي المكان بي جغرافيا, غريبة مُرتزقة أم وطنٌ تشعّ لي شمسه ولايترك لي ظلٌ أطاردهُ ويطارده.. كيف يمكنني ذلك وأنا لا أملكُ في اضطرابي نقطة وقوف أتطلّع إليها ومن خلالها لمن هم حولي, الصورة ليست واضحة تمامًا كما أنها ليست مُغشّاه.. لا أعتمد عليها رغم ثباتها وتحفّظ ألوانها وحدوها عن الاهتزاز, خاطفة ودقات قلبها سريعة جدا .. جدا بطريقة الجنون لدرجة أني أفقد تركيزي معها .. ثم أدخل بعد ذلك في محاولة استرجاع وتذكّر وانتهي إلى دوامة فقدان الساعة ومعالم الزمن والأمكنة والوجوه المختلفة هي نفسها الوجوه التي حكت لي بالأمس أمورا عدّة متباينة و أراها اليوم وجه واحد بملامح تضم كل أهلي يردد حكاية واحدة قد تكون أسخفها ..

خرجت و السماء ترشّ رشًا, الجو ملبّد رطب, وصلت والسماء على ماهي عليه إلا في لحظات قليلة تُكبّر من حبة مائها .. وتصيبني بالرعب .. هذا الشأن ليس مضحكًا وبدا لي واقعيا في أيامي الأخيرة - الرعب من الشتاء -, لا أحب الصيف أبدًا بل يثير ضيقي المتأهّب, وبالمقابل بات البرد يرسم في وجهي لوحة منكمشة عن كل ابتسامة .. قديما قرأت نثرًا نبطيًا أحببته و علّقته في ذاكرتي, شطرًا يقوله منه الشاعر سعد الحريص: " وإذا أرعبك المطر ليلة, أنا أرعبني الجفاف سنين !" إن قلنا الرعب من المطر تبدّت لنا صورة الكارثة وطفح السدود و جريان السيول, - وعلى ذكر السيرة أترحّم لموتى جدة السابحة في الطين و النحلة الملكة نائمة العسل, تغمّدهم الله برحمته و عوّضهم خيرا من دنياهم, جنة لا فيها ظالم يستبدّ ولا آكل حق يطوي على جنبيه وذنبيه - ونعطي العذر لمن يهاب المطر, وإن تمحّصنا ماقاله بالضبط فقد اختار مدة زمنية ليست طويلة على الهلع بكل حال, قال "ليلة", يتجمّد الدم فيها ويصبح الحلق ناشفا رغم البلل الغزير الذي يحيطه, يتوقّف الليل عن المضي بعيدا و نتمنى انفلاق الصبح لنرى حائط الدمار الذي انهار على القرية وغطاها بالموت تحت لبناته وطينه, بالعكس تمامًا التقشف و الفقر المميت, الجلد المالح, القلب اليابس بوحدة "السنين" .. أعتقدُ أني جرّبت الثانية أكثر من الأولى, ليس سهلًا ولا محبذًا لكن رعب البرد الذي سكن أوصالي ذات ليلة من العام لا يزال متبلورًا خاملًا أخشى هيجانه و ثورته ..

نعم, لم تكن هذه الجمعة مختلفة عن باقي الجمعات التي عشتها ..
غصّة مالحة فقط .. "والليالي اللي مضت مثل الليالي اللي مضت" ..
ولا أعلمُ حقا هل سافرتُ عن نفسي, أم إليها !
.


سعد الحريص:

- المطر -

في ليلة
... والمطر يسبل
... مطر بلل بحر ليلة
ليلة من بلل والريح مبتلة
... بها حتى الكلام ابتل
أحس ان الغيوم هموم مزن .... طاح
وأحس ان الهموم غيوم حزن .... لاح
وأحس إن المطر
.... لو ما يبلل قلوبنا
يغسل شقاء الأرواح
وأحس الوقت ما يمهل
ولا باقي ... كثر ماراح
وإذا كنتي تحبين وتخافين
تعالي نهيم في دنيا المطر والغيم
ولكنك ... تخافين ... وتخافين ... وتخاااافين
وعندك شيء تخفينه ؟!
وأنا أحب المطر وأنت تخافينه ؟!
ولا أدري وش سبب خوفك
ولاظنّك بعد تدرين ...
تخافين المطر ... لا يبلل ثيابك
تخافين الرعد ... لايرعب أحبابك
تخافين إن لمع البرق في عيونك .... باااان ما تخفين
أبركض في المطر وابتل ...
وإذا أرعبك المطر ليلة ...
أنا أرعبني الجفاف سنين ...


http://www.youtube.com/watch?v=jxK4Rh3NDC4&feature=related

هناك تعليق واحد: